ابن الجوزي
323
كتاب ذم الهوى
من يده عقلها وفهمها ، لأنها تتفكّر فيما قد نابها فتتلمّح منتهاه وترى غايته ، وليس من شأنها الوقوف ، لأنها في السير أبدا تترقّى من علم إلى علم ، والعاشق واقف مع صورة جامدة عن التحرك ، والعارف باللّه سبحانه في السير لا يفتر ، ولا ينكر أن يقوى طبعه عليه في حال ، وتميل به المحبة للصور أحيانا ، غير أنه لا يصير أسيرا ، إنما يميل يسيرا . قال بعض الحكماء : ليس العشق من أدواء الحصفاء ، إنما هو من أمراض الخلعاء ، الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس ، وإرخاء عنان الشهوة ، وإمراج النظر في مستحسنات الصور ، فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور ، فتأنس ، ثم تألف ، ثم تتوق ، ثم تلمح فيقال : عشق ، وليس هذا من صفات الحكماء ، لأنّ الحكيم من استطال رأيه على هواه ، وتسلطت حكمته على شهوته ، فرعونات طبعه مقيّدة أبدا ، كصبيّ بين يدي معلمه ، أو عبد بمرأى سيده ، وما كان العشق قط إلا لأرعن بطال ، وقلّ أن يكون لمشغول بصناعة أو تجارة ، فكيف لمشغول بالعلوم والحكم ؟ ، فإنها تصرفه عن ذلك ، ولهذا لا تكاد تجده في الحكماء . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو محمد الجوهري ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن المرزبان ، قال : حدثني هارون بن محمد ، قال : أخبرني أبو عبد اللّه القرشي ، قال : حدثني الحكم ، قال : قيل لرجل من بني عامر : هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله الحبّ ؟ فقال : إنما يموت من الحب هذه اليمانية الضّعاف القلوب . قال ابن عقيل : العشق مرض يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة ، والمتلمّحة للصور ، لدواع من النفس ، ويساعدها إدمان المخالطة ، فتتأكد الألفة ، ويتمكن الأنس فيصير بالإدمان شغفا ، وما عشق قط إلا فارغ ، فهو من علل البطّالين ، وأمراض الفارغين من النظر في دلائل العبر وطلب الحقائق المستدلّ بها على عظم الخالق ، ولهذا قلّ ما تراه إلا في الرّعن البطرى وأرباب الخلاعة